الشنقيطي

504

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وبين جل وعلا أن السابقين هم المقربون ، وذلك في قوله : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) [ الواقعة : 10 - 11 ] ، وهذه الأزواج الثلاثة المذكورة هي وجزاؤها في أول هذه السورة الكريمة جاءت هي وجزاؤها أيضا في آخرها ، وذلك في قوله : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 88 ) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ( 89 ) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( 90 ) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( 91 ) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ( 92 ) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ( 93 ) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ( 94 ) [ الواقعة : 88 - 94 ] . والمكذبون هم أصحاب المشأمة وهم أصحاب الشمال . وذكر تعالى بعض صفات أصحاب الميمنة والمشأمة في البلد في قوله تعالى : فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) - إلى قوله تعالى - أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 18 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ( 19 ) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ( 20 ) [ البلد : 13 - 20 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) [ الواقعة : 8 ] ، وقوله : ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ( 9 ) [ الواقعة : 9 ] استفهام أريد به التعجب من شأن هؤلاء في السعادة ، وشأن هؤلاء في الشقاوة ، والجملة فيهما مبتدأ وخبر ، وهي خبر المبتدأ قبله ، وهو أصحاب الميمنة في الأول وأصحاب المشأمة في الثاني . وهذا الأسلوب يكثر في القرآن نحو الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 ) [ الحاقة : 1 - 2 ] ، الْقارِعَةُ ( 1 ) مَا الْقارِعَةُ ( 2 ) [ القارعة : 1 - 2 ] . والرابط في جملة الخبر في جميع الآيات المذكورة هو إعادة لفظ المبتدأ في جملة الخبر كما لا يخفى ، وقوله : وَالسَّابِقُونَ لم يذكر فيه استفهام تعجب كما ذكره فيما قبله ، ولكنه ذكر في مقابلة تكرير لفظ السابقين . والأظهر في إعرابه أنه مبتدأ وخبر على عادة العرب في تكريرهم اللفظ وقصدهم الإخبار بالثاني عن الأول ، يعنون أن اللفظ المخبر عنه هو المعروف خبره الذي لا يحتاج إلى تعريف ومنه قول أبي النجم : أنا أبو النجم وشعري شعري * للّه درى ما أجن صدري فقوله : وشعري شعري يعني شعري هو الذي بلغك خبره ، وانتهى إليك وصفه . قوله تعالى : ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 14 ) [ 13 - 14 ] . وقوله : ثلة : خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير ، هم ثلة ، والثلة الجماعة من الناس ، وأصلها القطعة من الشيء وهي الثل ، وهو الكسر . وقال الزمخشريّ : والثلة من الثل ، وهو الكسر ، كما أن الأمة من الأمّ وهو الشبح ، كأنها جماعة كسرت من الناس ، وقطعت منهم . ا ه . منه .